الملا فتح الله الكاشاني
267
زبدة التفاسير
* ( حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ) * وهذا الجواب يؤيّد الوجه الأوّل . فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا . فلمّا رجع موسى وهو ممتلئ غيظا منهم ومن عبادتهم العجل ، وسمع الصياح ، إذ كانوا يرقصون حول العجل ويضربون الدفوف والمزامير ، فلمّا سمع موسى منهم ما سمع ألقى الألواح وأخذ يعاتب هارون * ( قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ) * بعبادة العجل * ( أَلَّا تَتَّبِعَنِ ) * أن تتّبعني في الغضب للَّه ، وشدّة زجرهم عن الكفر ، ومقاتلتهم . أو أن تأتي عقبي وتلحقني . و « لا » مزيدة ، كما في قوله : * ( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ) * « 1 » . * ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) * بالصلابة في الدين ، والمحاماة عليه ، وإصلاحهم . يريد به قوله : * ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) * « 2 » . هذا في صورة الاستفهام ، والمراد به التقرير والفرض ، لأنّ موسى عليه السّلام كان يعلم أنّ هارون نقيّ الجيب من الذنوب ، بريء الساحة من العيوب ، فلا يعصيه في أمره . ولمّا كان موسى رجلا حديدا ، شديد الغضب للَّه ولدينه ، مجبولا على الحدّة والخشونة والتصلَّب في ذات اللَّه ، لم يتمالك حين رأى القوم يعبدون العجل - بعد رؤيتهم المعجزات والآيات - أن ألقى الألواح ، لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة ، لفرط غضبه للَّه وحميّة لدينه ، وعنّف بأخيه وخليفته على قومه ، فأقبل عليه إقبال العدوّ المجاهر بالعداوة ، قابضا على شعر رأسه ، إذ أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على شعر رأسه ووجهه ، ولذلك أخذ رأس أخيه يجرّه إليه ، كما أنّ من صدر من قومه وأهله شيء قبيح مستهجن غاية القبح والاستهجان ، فعل ذلك وإن كان صديقا محبّا له غاية الصداقة والمحبّة . * ( قَالَ يَا بْنَ أُمَّ ) * قال هارون لموسى : يا ابن أمّ . خصّ الأمّ - وإن كان من الأب والأمّ - استعطافا وترقيقا ، ليسكن شدّة غضبه . * ( لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي ) * أي : بشعر
--> ( 1 ) الأعراف : 12 و 142 . ( 2 ) الأعراف : 12 و 142 .